Friday, November 11, 2016

دولة المكاسين


قال بنجامين والتر مرة وهو مفكر المانى متحدثا عن الثورة إنها ( وثبة نمر إلى الماضي تحشد ذكريات معاناة الماضي وقهره ضد الطبقة الحاكمة) والمقصود هنا هو أن الثورات ليست نتيجة متوقعة لحركة التاريخ للإمام، بل أنها انفجار مفاجئ غير متوقع قد يحدث في اى وقت حتى إن تأخرت
معلوم أن الوسائل تأخذ عادة حكم المقاصد في الإسلام, فالخير أو الحق أو الحلال لايمكن التوصل إليه الاعبر الحلال والوسائل المقبولة مثله
ولذلك من الغريب أن تلجأ الدولة التي تدعى الإسلام إلى وسائل غير مقبولة شرعا لتثبيت حكم الله فتقطع الطريق على عباد الله وتفرض عليهم ضريبة المرور في طرقهم التي هي طرق الله بحسب فهمهم
في حديث المرأة الغامدية التي زنت وأصرت على أن يتم تطبيق الحد عليها بعد أن استمهلها النبي صلى الله عليه وسلم حتى ولدت ثم حتى أرضعت ثم أقام عليها الحد ,وردت رواية أن نقطة من دمها أصابت صحابيا إثناء تطبيق الحد فسبها, فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم إنها تابت توبة لو تأبها صاحب مكس لتاب الله عليه
وصاحب المكس هو جامع الجباية , ولذلك فان أهل الضرائب كلهم أصحاب مكوس بحسب ذات الفهم ولكن بتصريح من الدولة الإسلامية في السودان!!, قاطع طريق من الدرجة الأولى بدلا من تطبيق حد الحرابة عليه تضفى عليه الدولة شرعية وتقنن لحضوره الضار في صفحة الوطن من اجل رفاه حفنة من نخبة الحكم في السودان
الشيء الغريب في النموذج الاقتصادي لهذه الدولة هو أن جميع مواطنيها يشتركون في بؤس الدعم اللازم لبقاء سياراتها ومرتباتها وزوكاتها وجبايتها وضريباتها, فقيرا كنت او محدود الدخل, في النهاية يجب أن تدفع لتستحق ولاية الدولة عليك, تدفع لتتعلم, وتتعالج, وتسكن, والغريب ان كل هذه حقوق كانت دستورية فى يوم من الايام وقد استحقت ليس فقط لانها حقوق اتفقت على عدالتها كل المواثيق والعهود الدولية لحقوق الانسان , ولكن ببساطة لان الشعب السودانى ناضل وعمل من اجلها واسقط انظمة فى سبيل اقرارها
اعتقد ان تقديم نموذج اسلامى بهذه الملامح القبيحة هو مؤامرة على الاسلام نفسه, ذلك ان الدين فى الذهنية السودانية ولا علاقة له بضرائب الدخل ولا بالضريبة على الإرباح ولا بضرائب المحليات ولا بضرائب الولايات وضرائب المركز, الدين فى الذهنية الاسلامية له معان خاصة لاعلاقة لها بالتكبيرات الخالية من المعنى ولذلك فمن غير الاخلاقى أبدا استغلال شعاراته, وتديننا العميق كسودانيين لفرض هذا التوجه السلطوي الذي لا علاقة له بحياتنا ولا بطبيعتنا ولا بتقاليدنا وذلك ليثرى فقط أصحاب الحظوة في النظام حتى وان ضاع الوطن كله وتمزق كما ضاع الجنوب العزيز
السودان بحسب تجربتنا مع الانقاذ لن تكون أبدا دولة عمر بن عبد العزيز وان استعادت استخراج البترول وتصالحت مع أمريكا وتقبلت منها معونتها, فالأولى إذن أن تكون دولة طبيعية للمواطنة, ذلك ان دولة بن عبد العزيز كانت لا تتوفر على فقير واحد بعد عامين فقط من ولادتها , وكانت تبعث بمن ينادى فى الطرقات عمن يحتاج شيئا بينما دولة الانقاذ الان وبعد عشرين عجاف هى دولة الجوع والفقر والغضب و المكوس والحزن النبيل
و يعلم الجميع ان سياسة المكوث والجبايات الحالية هي التي ساهمت بهروب راس المال الوطني إلى الخارج ما ضيع على السودان مليارات كان من شانها ان تفعل الكثير, فى مقابل بعض الاستثمارات العربية التى تواصل هروبها اليومى منه وشعور عميق يسكنها بأنها خدعت وبان هذا البلد بسياساته الحالية لاينفع فيه اى عمل استثمارى جاد,
, وهى ذات السياسة التي أدت إلى الأزمة الحالية في ارتفاع الأسعار, وهى التي ستفاقم مزيد من الأزمات مالم تتبع الحكومة خطة بشرية طبيعية لإنقاذ الاقتصاد السوداني الهزيل تخرجه على الأقل من قائمة الدول الأكثر فشلا , وتعيد للإنسان السوداني كرامته
هي ذات السياسة التي يعرف كل تلاميذ الثانويات في العالم إنها تسببت في سقوط الإمبراطورية, العثمانية التي حكمت العالم في يوم من الأيام, فإسماعيل باشا بعد فتح السودان من اجل المال والرجال , فرض ضرائب كبيرة وكانت جبايتها تتم بطرق لاتشبهها إلا طرق الإنقاذ القاسية الأمر الذي تسبب في كثير من التمردات والغبن لأبناء السودان, يحدثنا التاريخ أن هذا الحاكم عمل على تخفيض المكوث والجبايات حين استشعر خطورة غضب السودانيين آنذاك , وهذا امر لم تفعله الانقاذ نفسها وما اغرب هذا ,ومع ذلك قامت المهدية فطهرت السودان من ظلم المستعمر البغيض الذي لم يشفع له انه طبق المدونة الحنفية في الفقه ولا كونه يقيم الشريعة في العباد والبلاد
هل يمكن أن نقرأ التاريخ فنعتبر , إلا يمكن أن يعيد التاريخ نفسه ذات صيرورة فتسمع الإنقاذ عبارات من عينة ( انه لايدخل الجنة صاحب مكس) وهى حديث شريف
ذلك أن معرفتنا البسيطة تقول أن مهمة الدولة هي الرعاية وليست الجباية, وحين تتحول الدولة عن هذه المهمة تصبح مؤسسة للقمع فقط , القمع الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي
وهذا القمع( الفكري السياسي والاجتماعي والثقافى والاعلامى وووالخ) يمكن تسميته ايدلوجيا ليس فقط مرتبطا بالقمع المادي وبفوضى المكوس والجبايات في السودان , لكنه قد يكون أهم منه ، لأن ردود الفعل على هذا القمع عادة تكون ظاهرة مجسمة، بينما مناهضة الهيمنة الأيديولوجية تصبح من الصعوبة بمكان، في ظل وعي سياسي واجتماعي محدود لدى أكثر الناس
مهمة الدولة الأساسية هي تأمين ضوابط عدم استعمال السلطة بشكل يؤدى الى اذلال الشعب او اذيته والا تحولت الى مؤسسة للقمع بينما الاصل ان تكون مؤسسة للرعاية و لتحرير الإنسان /المواطن من الاستعباد والخوف والانتهاكات
هذه المهمة تحتاج إلى الكثير لتصبح راسخة في أذهان الناس., تحتاج الى رجال دولة وقادة اذكياء وحادبين على مصلحة الوطن ولا اعرف من اين قد نأتى بهم
اما عودة الوعى فتحتاج فقط إلى مثقف مرتبط بقضايا الناس ليس منحازا لغير همومهم , المثقف القادر على محاورة و اتخاذ موقف نقدي رصين ومؤثر تجاه هذه الهموم وماتطرح من تحديات
السودان كله يحتاج ان يعمل من اجل مجتمع مدني حر وديمقراطي في ظل دولة مدنية تساوى بين الناس وتعمل من اجل رفاههم وألا فان الثورة ستأتي لا محالة كما قال بنجامين والتر

6/10/2011

Friday, November 4, 2016

الطبيب السوداني وحكاية مصطفى

الطب مهنة انسانية عظيمة، يقال ان الطيب لديه قسم قبل ممارسة المهنة بان يمارس المهنة في خدمة المرضى  باحترام واخلاق ومهنية وضمير ، ومهمة الطبيب اصلا هي التزام ببذل رعاية ، وليس تحقيق نتيجة، على الاقل في عالمنا الاسلامي ،لأن النتيجة من الله ( واذا مرضت فهو يشفيني)
في اكتوبر الماضي إبتدأ الاطباء في السودان اضرابا مهنيا عن العمل بسبب تزايد الاعتداء من المرضى عليهم، الطبيب السوداني هو الاكثر تعرضا للضرب والاعتداء اثناء ممارسة مهنته،  لفهم اسباب هذه الظاهرة دعونا نعود الى الاسباب التي  جعلت من طبيب صغير ظل طوال عمره حاصرا نفسه بين كتب المدارس ، دون اى محاولة للتفاعل مع الزملاء ، ودون اى رغبة في  التعرف على اصدقاء او ممارسة اى نشاط مدرسي باستثناء حفظ الدروس ، مايجعله  في النهاية المرشح المثالي لكليات القمة  وعلى راسها الطب .
مصطفى  وخلاصة الكريمة
ومصطفى يارعاك الله هو نموذج لهذا الشخص الذى وصفناه ، شخص شاطر جدا في المدراس ولكنه الاكثر بلادة  في الحياة، يتصوره الاخوة في الخليج كشخص مصري ( لكنه ينفع ان يكون سودانيا) بتسريحته التي يشقها  من جانب الراس  بمشط ،وهو في الغالب يعود الى بلده لدراسة الطب ثم يرجع  الى الخليج مرة اخرى كواحد مما اعتاد كبار الاكاديميين –وهم  في الغالب مصطفى قديم- بتسميتهم كخلاصة الكريمة  باعتبارهم من نخبة التلاميذ الشطار !!!
هذا الكائن الفاشل يعود مختلفا تماما ، يظن نفسه اله صغير ، يتعامل مع المرضى وكأنه مناط  به ان يشفيهم! وكأن المطلوب من المجتمع ان يعبد هذه الفئة، وكأن تقدير المجتمع حق ينبغي ان ينزل على هذا الكائن الشاطر  والذى في الحقيقة لايمكنه ان يفعل اى شىء في ظل مستشفى بلا امكانيات  ومريض مطلوب منه ان يدفع حتى ثمن الابرة التي سيحقن بها !!!
انا التقيت بمصطفى مصري  في الخليج ، اقنعني بانني امر بازمة قلبية واحتاج  الى دعامة في القلب وضعها في النهاية ، ثم عدت الى مصطفى آخر فوضع دعامة اخري ، ثم عدت اليه بعد اسبوع  في حال سىء فاراد وضع دعامة ثالثة، قلت له هل هو قلب ام كربرتور سيارة ؟ هل انت اهبل ؟ وطردته من غرفتي  التي ادفع عنها مالايقل عن ثلاثين الف دولار! فخرج دون ان يجادلني!!
قبل سنوات طويلة تجرأت  عند طبيب سوداني حين استفسرت منه عن حالة قريبة  لي اصيبت بتسمم غذائي عارض ، كان طبيبيا جديدا متقصما لتلك الحالة من الالوهة الزائفة البليدة ، ولا ادري كيف يمكن ان يكون هكذا في غرفة طوارىء مليئة بكل مايمكن ان يمثل المأساة الانسانية ، كان رده ببساطة ( طيب ماتجي تجلس مكاني ، قلت ليك خلاص امشوا بيتكم ولو في شىء تعالوا تاني!!)
اتذكر انني صمت قليلا قبل ان اقول له بهدوء ( شكرا ليك لكن انا راضي بالمكان الذى اجلس عليه وهو مكان لن يكون بامكانك حتى ان تدخله ) وكنت صادقا
بتاريخ 08-25-2016:  اصدرت نقابة أطباء السودان بالمملكة المتحدة وايرلندا بيان بخصوص الإعتداءات المتكررة علي الاطباء داخل السودان اوردت به النماذج التالية :-
١-في يوم الرابع والعشرون من آغسطس 2015 تعرضت طبيبه تعمل بمستشفي الفاشر الحكومي لأعتداء من قبل رجل شرطه مما أدي لإضراب زملائها من الاطباء بالمستشفي تضامنآ معها
٢-في يوم الاحد 30 آغسطس 2015 وقع أخطر حادث إعتداء علي الآطباء ، فقد تعرض المدير الطبي المناوب لمستشفي بحري التعليمي لاطلاق رصاص ومعه اثنين من كادر التمريض داخل عنبر الباطنيه رجال من قبل رجل ينتمي لأحد الأجهزة الامنيه مما ادي لأصابته بجروح خطيرة من جراء هذا الاعتداء الغاشم
٣- في يوم الخميس الموافق الاول من اكتوبر 2015 تم ضرب وجلد عدد من الأطباء والعاملين بالمستشفى على يد أفراد من الشرطة بقيادة نقيب
٤-في مساء السبت 5 ديسمبر 2015، تعرضت مجموعة من أطباء مستشفي الذره لأعتداء من قبل مجموعه تنتمي لشركة أمنيه مما أدي لأصابة هولاء الآطباء بإصابات خطيرة
ثم تواترت البيانات ، واهتم الاعلام بهذه الظاهرة  وفي كل بيان كانت تتدفق نماذج جديدة لاشكال من الاعتداء على الطبيب السوداني المسكين والسؤال المهم الآن لماذايتم الاعتداء على طبيب يمارس عمله ويؤدي في رسالته السامية في تخفيف الم المرض ومقاومة عذابات الانسان السوداني البسيط!
ببساطة لان الطبيب السوداني هو الاسوأ في العالم في التعامل مع المريض ولنأخذ هذا النموذج بتاريخ26/8/215  

جاء في صحيفة المرصد السعودية : تداول عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، مقطع فيديو لطبيب سوداني يطرد مريضاً حالته حرجة، ويتلفظ عليه،و بعد أن قال والد المريض : “هذا مو بيتك حتى تطردنا من المستشفى”؛ فكان رد الطبيب: “المستشفى بيتي وأعلى ما بخيل أبوك اركبه!!! 
مالا يرغب المجتمع في تداوله هو ان هناك صراع حقيقي قائم بين هذه الفئة المسماة بالاطباء  وبين المجتمع، الاطباء يرون انهم يجب ان تتوفر لهم حماية ليستمروا في ممارسة انتهاكانتهم واستفزازاتهم للمواطنيين،
ان الاعتراف للاطباء بانهم فئة مميزة تتعرض للاضهاد من افراد الشعب السوداني يعني اتهام الشعب بانه مجموعة من المجانين، ولايمكن لعاقل ان يعتدي على طبيب في مكان عمله الا لأن هناك اسباب قوية دفعته لمثل هذا التصرف .
وما لايرغب الاطباء في اثارته هو ارتباط اضراب الاطباء واحتجاجاتهم المستمرة بقضايا المعارضة ورغبتها في استغلال هذا الاحتجاج لتفعيل دورها  في مقاومة النظام ، وتشجيع نقابات وجهات فئوية اخرى بان تحذو حذوها  حتى تنطلق باتجاه عصيان مدني شامل يقود الى انتفاضة ضد النظام، وهذا شىء مستبعد لانخافض سقف مطالبات الاخوة الاطباء ، وانخفاض مستوى وعيهم السياسي اصلا ناهيك عن مستوياتهم الفكرية التي لاتؤهلهم بحكم تكوينهم ( كمصطفى) من قيادة حركة ثورية تستلهم مافعله اسلافهم في اكتوبر وابريل .
الحل فقط في ضرورة ان يفهم الطبيب السوداني انه مواطن عادي مطالب بان يحترم بقية المواطنين وان دوره في المجتمع لايزيد عن دور اى مواطن ينتمي لاى فئة مهنية اخرى ، هذا هو الحل الوحيد