Friday, July 27, 2012

تعليقات حول قضايا الثوره3

لاشك ان مواقع التواصل الاجتماعى قد اضافت   زخما  الى مسالة الربيع العربى  الذى  تمخض فيه العرب فانجبوا  حزب مرسي فى مصر, وحزب  الغنوشى فى تونس, لكن الديمقراطية اصلحت من نفسها  عندما تجاوزت  الاسلاميين فى ليبيا والشاهد هو ان هناك قوى اكبر من تيار الاسلام السياسى فى المنطقة , قوى وطنية جديده  تتحرق شوقا للعب دور فى قيادة المنطقة ومستقبلها, ورغم انى من جيل الشباب ولكن لا اعتبر ابدا ان شباب  مواقع التواصل الاجتماعى مؤهلين للعب هذا الدور بعد, ليس فقط لكونهم  قابعين  فى غرفهم  ويتحركون من خلال  لوحة المفاتيح, ولكن لأن  من يرغب فى تغيير العالم عليه ان يقوم بهذا الدور فى العالم   الحقيقى , هناك قرب الناس المكتوين بجحيم العذابات اليومية   من  نقص الاموال  والطعام والحرية

ان اعداء الثورة من اعلام غير نزيه وفئات اجتماعية خاقدة هم الذين حملوا العرب  على تصور ان ربيعهم   من صنع شباب الفيس  ذوى البناطيل الواقعة  والشعر المنساب على اكتافهم , وكأن الثورة لعبه!, والواقع هو ان الثورة المصرية مثلا حدثت بفعل حراك جماهيرى  عمالى عارم , حركة كبرى   شلت قطاع النقل العام والسكة الحديد وقناة السويس والموانئ وكبرى المراكز الصناعية في البلاد وهى حالة احتجاجية تمتد جذورها القريبة الى  عامي2006 و2007 حين بدأت اضرابات غزل المحلة والتى شكلت انتصارا كبيرا للحركة العمالية فى مصر, وهى ملحمة تشرفت بأن كنت احد الشهود عليها

ان الخطوة التى قام بها بعض شباب ام  درمان مؤخرا من طواف على الاسر المحايدة  فى داخل المنازل واقناعهم  بضرورة الانضمام الى حركة الاحتجاجات العامة  التى تتنطم السودان هى خطوة مقدره باتجاه الالتحام الفعلى والاشتباك مع قضايا الناس لتجاوز حالة الخوف  الذى مافتئ يتكسر يوما بعد يوم هى خطوة اولى ومهمة لمن يرغب فى تبنى  واستلهام التجربة المصرية  فى الثورة,   اذ انه من المسيء جدا لثورة مصر اختزالها  فى  تلك التعليقات  البسيطة  للبرجوازية المصرية  وبعض المراهقين  على صفحة خالد سعيد , وفى المشرف عليها بكل هذا الانخفاض فى المستوى الفكرى الذى لايؤهله حقيقة لغير وظيفة فى  احدى الشركات الامريكية والتى ولاسباب غامضة  اصبحت وبكرم حاتمى تعين كل من يجيد الانجليزية  من شباب المنطقة

ان اكبر مشكلات  الحراك الثورى الحالى  فى السودان  هو عدم وجود  الوعى الكافى لمجموعة  تتقدم  الصفوف وفقا لنظرية  ثورية   تطرح وجهة نظر محددة فى قضية العدالة الاجتماعية, فكل الاحزاب والجماعات  لاحديث لها غير الديمقراطية ألليبرالية ,ومشكلة هذا الطرح انه سيعيد انتاج الازمة الاقتصادية بصورة مختلفة فقط, فالمطروح هو الليبرالية الجديدة  فى شقها الاقتصادى  الحالى  ولكن بايدى الثوار, حدث هذا فى مصر, وفى تونس وفى ليبيا,  وهو ماسيحدث فى السودان, ربما تعاد النظر فى مسالة الخصخصة ¸ولكنها ستستمر فى ظل الشفافية والديمقراطية,  ربما تعيد الثورة  مراجعة العقود مع الشركات العالمية فيما يتعلق بالبترول ومصادر الثروة   ولكن فى ظل نفس النظام الاقتصادى, ستحول الثورة الدستور الحالى  الى دستور حقيقى  فقط , قد تغيره  او تعيد صياغته ولكنها لن تضيف الكثير, ببساطة لأن الدستور الحالى به ضمانات ديمقراطية كافيه, هى فقط  حبر على ورق ولا تطبق , لكن السياسات ستكون هى هى   نظام رأسمالى  فى جوهره مهما قدم من  ترضيات  فئوية  لقوى الثورة
والحل هو فى امتلاك الوعى الكافى  لاستلهام تجربة  ثورية حقيقية

 أن الخيار هو بين تحول الثورة إلى ثورة إجتماعية شاملة أو عودة جزئية أو كلية للنظام القديم من خلال  استمرار نهج الثورة الحالي  المفتقد لأى تصور لقضية  البديل  الاقتصادى المرجو  لما بعد التحول  السياسي المرجو مايعنى ان بذور  ثورة مضادة تشكل نفسها  متاح منذ الآن

قلت سابقا ان النطرية الثورية ليست شيئا مطلوبا فى كل الاحوال , بدليل  ثورات الهامش والربيع العربى , وهذا ليس صحيحا, اذ لا  ثورة بلا نظرية تورية, لأن النظرية  الثورية ستحدد مستويات الانحياز الاجتماعي ودرجات الوعي, وهى التى ستقود فى النهاية الى الاجتثاث الكلي  للنطام القديم , وهذا الغياب للنظرية هو الذى ادى الى فشل ثورة ابريل فى كنس اثار مايو

ربما يكون الثوار اايضا بحاجة لاستلهام تجارب اخرى فى الثوره  تتجاوز  المطروح الآن  من تصنيفات  حول الهامش  والهبة الشبابية والسودان الجديد, وهى توصيفات ميزتها الوحيده هى فى كونها تتجاوز الاحزاب التقليدية  بشقيها العقائدى واحزاب الرأسمالية وشبه الاقطاع  المرتشية والتى  تمثل بالنسبة لى امتدادا للاستعمار  المصرى البريطانى

ففى عام2000  قامت الحكومة الاكوادورية  بأجراءات تقشفيه شبيهة بما  قامت به الانقاذ الآن, اذ خفضت قيمة العملة  وعومتها , وباعت القطاع العام وشردت  العاملين بالدولة ونهبت مواردها بما فى ذلك القروض الخارجية و بلغ معدل البطالة 80% ومعدل التضخم 60%، بينما انخفض معدل النمو إلى ـ7%. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي قيام الرئيس بتفليس الخزانة عن طريق ربط العملة بالدولار، مما دفع حركة المزارعين ، بالتحالف مع عمال المدن، إلى احتلال البرلمان ومحاصرة قصر الرئاسة والإطاحة بالرئيس في يناير 2000، ثم تم تشكيل حكومة شعبية برئاسة ثلاثة أعضاء هم  رئيس اتحاد المزارعين   ومهنى  وأحد الضباط
يتبع......




Saturday, July 14, 2012

تعليقات حول قضايا الثوره2

الكنداكة
الكنداكة هو لقب اطلق على ملكات النوبة  فى الحضارة المروية القديمة, وهى من اولى الحضارات فى العالم, وهى حضارة التقت مع الحضارة الفرعونية  فى مرحلة  من التاريخ قبل الميلاد  تلاقحت  معها وامتزجت بها , بل ان بعض ملوكها حكموا مصر كفراعين   , حيث يعتبر كل ملوك الاسره السادسة عشر الفرعونية  سودانيين, مايكشف ان الفرعونية  هى فى الاصل حضارة مشتركة , وان مصر القديمة  تدين بالكثير الى الحضارة المروية فى تطورها
 وهذا الجانب من التاريخ  تواطأ  على اخفائه جمع من الجهات, لاسباب غامضة , وهناك اتهامات للمخابرات المصرية   فى زمن مبارك على تورطها فى اغتيال  بعض الباحثين الذين  اوشكوا على حل  لغز اللغة المروية  وهى اللغة النوبية الاولى  وكان هذا من شأنه  ان يكشف الكثير من الاسرار التاريخية عن ممالك وادي النيل القديمة ولأحدث نقلة نوعية ضخمة قد تؤدي لاعادة كتابة تاريخ حضارة وادي النيل بصورة مختلفة تماما عما هو معروف عليه الان والثورة السودانية بل والانسانية كلها  سيكون عليها ان تكشف عمن قتل العلماء وسرق ابحاثهم حول اللغة المروية
 وقد حملت لقب الكنداكة مجموعة من الملكات فى نبته لكن ,الكنداكة امانى ريناس هى اول من حمل هذا اللقب بعد ان خلفت  زوجها على الحكم   بعد وفاته, وهى التى فتحت اسوان , واجبرت الدولة الرومانية عبر المفاوضات التى تلت هزيمتها لهم  والتى انتهت الى اتفاق على ترسيم الحدود بين السودان ومصر القديمتين, وقد ثبت انها  وضعت  رأس تمثال  الامبراطور اغسطس  فى مدخل احد المعابد بحيث يخطو عليه برجله كل من يرغب فى  الدخول, وهذا التمثال  الرأس  موجود الآن  بالمتحف البريطانى
فى جمعة الكنداكة هذه 13يوليو2012 اختار السودانيون  هذا الاسم  لجمعتهم الرابعة  فى الانتفاض على نظام الانقاذ تكريما لذكرى ملكات النوبة العظيمات, وتكريما للمرأة السودانية التى استهدفها  هذا النظام بشكل خاص , وبلغ عدد الذين عوقبن بالجلد  فى ظل مايسمى بقانون النظام العام مايجاوز الاربعين الف امرأة سودانية, وقانون النظام العام هو  مجموعة من مواد القانون الجنائى لسنة 1991 م  والذى يعتبر تطورا طبيعيا لقوانين المخلوع نميرى  المسماة بقوانين الشريعة الاسلامية لسنة1983م,  والتى ثار بسبها  الشعب السودانى على نظام نميرى والقى به فى مزبلة التاريخ
وقانون النظام العام   والذى يستلهم المفهوم الاكثر عمومية  بين المطلحات القانونية وهومفهوم النظام العام ,0( يشمل العادات والتقاليد والفكر والتقاقة والدين والعرف والاخلاق وووالخ)   يتيح براحا كبيرا للشرطى و للقاضى فى استنباط تكييفات  للوقائع  المعروضة ,  اذا يعتبر مستوجبا للعقاب كل من  فعل فعلا مخلاً بالآداب العامة,( إذا كان كذلك في معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل أو عرف البلد الذي يقع فيه الفعل.)
وهذه صياغة معيبة  , عامة وتفتقر الى تعريفات  محكمة يتطلبها القانون الحديث اذا كان الغرض هو تحقيق العدالة, لم يرد فى القانون اى تعريف للزى الفاضح أو السلوك الفاضح حيث تخضع الواقعة المعنية لتقديرات شرطى النظام العامة الذاتية, وقد كان هذا هو المدخل الذى  جعل منه القانون الاكثر عدائية للنساء فى السودان,  بحجة  ارتداء البنطلون او الملابس الضيقة  وو...الخ
لقد تعرضت المرأة السودانية المعارضة  لنظام الانقاذ  الى حملة مدروسة فى التكيل بها , فقد سمعنا لاول مرة عن حوادث اغتصاب  تحدث للنساء , داخل المعتقلات, وهى ممارسة مستهجنة وغريبة على اخلاق شعوبنا ,  وهى تدل على رغبة النظام فى كسر همة وازلال شعبنا فى مسه فى اهم  مقومات كرامته  والتى هى من كرامة المرأة, ناهيك عن احتجاز مئات الناشطات  من السياسيات والإعلاميات فى اماكن مجهولة , بحيث تصبح من تحاكم بمحاكمة ايجازية معيبة تنتهى بجلدها هى الاكثر حظا  لكونها لم تقتل او تغتصب
ان اختيار  اسم الكنداكة يدل على عبقرية الثورة السودانية ,  فى استلهام التاريخ  واشراقاته  التى تبعث الامل  فى  حق الشعب السودانى فى الحياة الكريمة والحرية والديمقراطية, وفى تجاوز مسألة التعامل برد الفعل مع تصريحات  النظام الاستفزازية ,  ويبدو ان النظام الذى لاحظ ان تسمية ( جمعة شذاذ الآفاق) كان استجابة لاستفزاز  المصلح النخبوى الذى استخدمه البشير فى وصف المظاهرات . وان تسمية جمعة ( لحس الكوع) جاءت ردا على تصريخات مستشاره البغيض  , ماجعله يسارع الى اضافة وصف مضحك آخر هو ( الشماشة) والذى يعنى المتشردين ظنا منه ان الثورة ستختار هذا الاسم  الذى لا يدل الا على سخرية من فئة  هى بكل المقاييس ضحية لسياسات هذا النظام الفاشلة
المطلوب الآن من  الثورة  ان  تخافظ على سلميتها , والاستمرار فى استخدام هذا الشعار دائما  لتفويت الفرصة على من يرغب فى ضرب الثورة ووصمها بانها تحرك لمجموعة من المخربين, والمطلوب من الاحزاب ان تصبح اكثر ثورية فى الانضمام الى حراك الشباب  بشكل اكثر فاعلية  وان تتصور ان بامكانها ان تقدم بدائلا فى الحكم الرشيد  تتجاوز مفاهيم الليبرالية الجديدة فى بيع القطاع العام  وتقليل الانفاق الحكومى فى مجال الخدمات,  والجبايات ,واستدعاء الاستثمار الاجنبى. والمطلوب من الشرطة والامن  والجيش ان يتذكروا ان المتظاهرين  هم اهلهم   ابناء الشعب من اخوة واخوات وأباء وامهات , ان هذه التظاهرات تستهدف  اول ما تستهدف النهوض بالإنسان السودانى وتثبيت حق فى الحياة الكريمة فى ظل الحرية والديمقراطية  من اجل الجميع

Wednesday, July 4, 2012

هذا المقال الرائع

   منقول عن موقع انسانيون
 بعنوان جمهورية فنلندا الإسلامية
 الكاتب /مرتضى العطيه

الدستور هو مجموعة من النصوص القانونية التي تحدد كيفية إدارة الدولة – أي دولة – وماهيّة أهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أنها تنظم العلاقة بين الحاكم وأفراد الشعب، وبين أفراد الشعب أنفسهم، و يعد الدستور القانون الأعلى في الدولة أي أنه يلغي أي قانون آخر يخالفه.

والدستور يجب أن يكون بسيطا وواضحا ومفهوما وفي متناول جميع المواطنين العاديين، لا أن يكون معقدا أو غير مفهومٍ إلا من ذوي الاختصاص سواء الشرعي أو القانوني أو الدستوري، لأن حقوقهم وواجباتهم تعتمد عليه.

الدستور الفنلندي والتزام فنلندا بتطبيقه جعل منها أحد أعظم الدول حكومة و شعبا، سأستعرض بعض البنود المهمة فيه وكيف طُبِّقَتْ:

ينص الدستور الفنلندي على أن “الشعب ينتخب رئيس الدولة (رئيس الحكومة) والشرط الوحيد لأي شخص يرغب في أن يكون رئيسا للدولة – و هذا أعلى منصب فيها – هو “أن يكون مواطنا مولودا في فنلندا” بصرف النظر عن عائلته، جنسه، أصله، مذهبه، عقيدته أو رأيه

وهذا ما انطبق على تاريا هالونن وهي مواطنة فنلندية عادية، أبوها كان لحّاما وأمها عاملة في مصنع أحذية، حيث تخرجت تاريا في جامعة هيلسنكي بعد أن نالت درجة الماجستير في القانون، بعد ذلك نشطت سياسيا وتولّت –لكفاءتها لا لأي اعتبار آخر– عدة مناصب من أهمها منصبي وزيرة العدل ووزيرة الشؤون الخارجية. في مطلع عام 2000م وعندما كان عمرها ستة وخمسين، رشحت تاريا نفسها في الانتخابات الرئاسية فنالت غالبية الأصوات وأصبحت أول امرأة تصل إلى هذا المنصب في فنلندا، في الانتخابات الرئاسية لعام 2006م أعادت تاريا ترشيح نفسها فنالت غالبية الأصوات مرة أخرى و فازت بدورة رئاسية ثانية.

ينص الدستور الفنلندي على أن “الرئيس يعيِن وزراءه بعد أن ينالوا ثقة مجلس النواب” وأن “الشعب ينتخب النواب، والمجلس ينتخب رئيس الوزراء” والشرط الوحيد لأي شخص يرغب في أن يكون رئيسا للوزراء – وهذا ثاني أعلى منصب في الدولة – هو “أن يكون مواطنا فنلنديا معروفا بالأمانة و الكفاءة”.

هذه البند ينطبق على يوركي كتاينن الذي نال درجة الماجستير في العلوم الاجتماعية، وبعد بضع سنوات انتُخب عضوا في مجلس النواب، وبعد سنتين أصبح نائب رئيس حزب المحافظين ومن ثَمَّ رئيسا للحزب. في انتخابات مجلس النواب لعام 2007م أصبح يوركي وزيرا للمالية وفي نهاية عام 2008م لقّبته صحيفة الفاينانشال تايمز “أفضل وزير مالية في أوروبا”، في منتصف عام 2011م و بعمر التاسعة والثلاثين رشح نفسه لمنصب رئيس الوزراء، و فاز به بعد أن نال غالبية أصوات النواب، قبل يومين فقط أتمّ يوركي عامه الأول في هذا المنصب.

ينص الدستور الفنلندي على أنه “يحق لمجلس النواب التقدم باتهام لدى محكمة العزل العليا ضد أي وزير يرى – المجلس – أنه قام بعمل غير قانوني، و يتم تقديم الاتهام بعد عرضه على لجنة القانون الدستوري”.

ومن الأمثلة على تطبيق هذا البند هو ما حصل لـ مايكل أرماس، الذي تولى عدة مناصب قيادية في الحكومة الفنلندية منها عضويته في مجلس النواب ووزارة النقل ووزارة العمل وآخرها منصب نائب رئيس الوزراء، تم توجيه تُهمة ضد مايكل بقَبول رشوة من أحد رجال الأعمال فعُرض على القضاء وقدم المدعي العام الأدلة التي تدينه وطالب بسجنه سنتين على أقل تقدير، محكمة مقاطعة هيلسنكي أدانت مايكل وحكمت عليه بالسجن سنة وثلاثة أشهر.

وقبله كنت أنيلي ياتينماكي التي انتُخبت رئيسة للوزراء في مطلع عام 2003م و اضطرت – تحت الضغط – إلى تقديم استقالتها بعد شهرين من تولي المنصب بسبب اتهامها بالكذب على مجلس النواب والشعب حول كيفية حصولها على مستندات استخدمتها في حملتها الانتخابية.

وجود دستور للدولة ووضوح تفاصيله للكل وتطبيقها بحذافيرها على الكل ليس ترفا سياسيا ولا مطلبا نخبويا، بل حاجة شعبية ملحّة، لأن أثرها ينعكس بشكل مباشر على جميع أفراد الشعب، فحسب منظمة الشفافية الدولية، نسبة سيادة القانون في فنلندا هي 100%، كما أشارت المنظمة إلى أن فنلندا احتلت – من بين كل دول العالم – المرتبة الأولى في حرية الصحافة والمرتبة الثانية في محاربة الفساد، والمرتبة الرابعة في استقلال القضاء، و حسب المنتدى الاقتصادي العالمي احتلت المرتبة الرابعة في التنافسية العالمية (مؤشر يقيس عدة عوامل تحقق التنمية والتطور الاقتصادي)، وهذا ما انعكس على الشعب حيث ذكر تقرير “السعادة في العالم” الصادر من معهد الأرض التابع لجامعة كولومبيا الأميركية أن الفنلنديين هم ثاني أسعد شعب في العالم

مشكلة بعض الحكومات العربية أنها تزعم تطبيق شريعة الإسلام واعتماد القرآن دستورًا لها، و الحقيقة أننا نجد دولة مدنية كفنلندا تبدو إسلاميةً أكثر منها، لأن قوانينها الوضعية تطابقت مع روح الإسلام في حفظ حقوق المواطنين الأساسية (الشورى، الحريات، العدالة، الكرامة… إلخ) والفرعية، في حين أهملت الحكومات العربية تلك الحقوق واهتمت بمظهر الاسلام فانتهكت حرياتهم باسم الدين وراحت تحاسبهم على عباداتهم اليومية التي لا يجب أن يحاسبهم عليها سوى ربهم، وهذا لم يحدث عبثا، بل بشكل متعمد ومقصود لأن الاستبداد لا يستمر إلا بذلك، فهي تستخدم الدين بصفته غطاء شرعيا للفساد وسلب الحقوق ونهب الثروات.

النصوص الإسلامية (قرآنية ونبوية) لم تكتفِ بالحديث عن واجبات البشر تجاه الله، بل ذكرت واجبات البشر وحقوقهم تجاه أنفسهم، ولكنها تبقى نصوصا شاملة وعامة بعضها يحتاج إلى تفسير والبعض يحتاج إلى تفصيل، بعضها ينقصه التخصيص و آخر لم يسلم من التحريف، وما لا يختلف عليه أحد – حسب اعتقادي – أنه لا يفهمها (بصفتها قوانين إدارية و ليس نصوصا تعبدية) إلا اختصاصيين في اللغة والشريعة وهذا منافٍ للمنطق، فكيف للدولة محاسبة مواطنيها على قوانين لا يفهموها! .

لذا، إذا أرادت حكومة ما أن تكون إسلامية بالمعنى السائد؛ فلتكن، و لكن يجب عليها قبل ذلك – وهذا أدنى مستويات احترام الشعب – أن تجمع علماء لغة وعلماء دين من جميع المذاهب ليستنبطوا من القرآن و السنة النبوية دستورًا واضحا ذا مفردات بسيطة يفهمها كل أفراد الشعب، وليُستنبَط أول بند في الدستور من قوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم)، وثاني بند من حديث الرسول “صلى الله عليه وسلم” (إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد). إن استطاعت فعل ذلك وإلا فلا خيار لها سوى دستور الدولة المدنية ذي الأحكام الوضعية، على غرار فنلندا