Sunday, November 8, 2026

نموذج الدولة التنموية هو الحل لأزمة الغذاء والوقود في السودان عودة الدعم وخيارات التمويل


 
ملخص
يعيش السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم. وقد أدت الحرب إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الغذاء، خصوصاً الخبز والحبوب الأساسية.
بحسب منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، بلغت أسعار الحبوب الخشنة في سبتمبر 2026 نحو 11 ضعف مستوياتها قبل الحرب، بينما تجاوزت أسعار دقيق القمح سبعة أضعاف مستويات مارس 2023.
لا يمكن معالجة هذه الأزمة بالاستيراد وحده أو بالاعتماد على الإنتاج المحلي في ظروفه الراهنة. والحل يتطلب التحول إلى نموذج الدولة التنموية، الذي تتدخل فيه الدولة لتهيئة ظروف الإنتاج، من خلال:
- دعم إمدادات الوقود والبذور.
- تثبيت أسعار الخبز والحد من ارتفاع تكاليف إنتاجه.
- استعادة الإنتاج الزراعي المحلي.
- تمويل الدعم من عائدات الذهب والموارد التصديرية، والاستفادة من المساحة المالية التي يتيحها إعفاء الديون.
وأقترح إنشاء صندوق دعم الغذاء والطاقة، بإدارة مركزية ورقابة وشفافية كاملتين.
ففي ظل الحرب والتضخم، فإن أي سياسة دعم لا ترتبط بالسيطرة على قنوات الإيرادات العامة ستتحول إلى مصدر جديد للريع والفساد.
---
أولاً: فشل الاستيراد والإنتاج المحلي
لنبدأ بالوقائع.
تشير بيانات الفاو الصادرة في 13 أكتوبر 2026 إلى أن أسعار الذرة الرفيعة المحلية ارتفعت في سبتمبر بنسب تراوحت بين 13% و85% في الأسواق المرصودة، والدخن بين 13% و89%. أما دقيق القمح المستورد، الذي يعتمد السودان عليه بدرجة كبيرة، فقد ارتفعت أسعاره بنسب تراوحت بين 26% و64%.
وبالمقارنة مع مارس 2023، أصبحت أسعار الحبوب الخشنة أعلى بنحو 11 ضعفاً، وأسعار دقيق القمح أعلى بأكثر من سبعة أضعاف.
وتوضح أسواق النيل الأبيض حجم الأزمة؛ إذ ارتفع سعر جوال الذرة زنة 50 كيلوغراماً من 60 جنيهاً قبل الحرب إلى 400 ألف جنيه، وجوال القمح زنة 100 كيلوغرام من 150 ألفاً إلى 600 ألف جنيه.
وفي الولاية الشمالية، تجاوز سعر أردب القمح (نحو 90 كيلوغراماً) 700 ألف جنيه سوداني.
في المقابل، تكشف صادرات الذهب عن موارد مالية كبيرة لا تستفيد منها الدولة بصورة كاملة.
فقد بلغت حصائل صادرات الذهب السودانية 2.292 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026، بينما تجاوز الإنتاج المستهدف للعام نسبة 105%.
وتشير شعبة مصدري الذهب إلى أن الإنتاج الوطني يتجاوز 70 طناً سنوياً، بقيمة تقديرية تزيد على 8 مليارات دولار، لكن ما يدخل خزينة الدولة لا يتجاوز ملياري دولار. وهذا يعني تسرب جزء كبير من عائدات الذهب عبر القنوات غير الرسمية.
المشكلة إذن ليست غياب الموارد، وإنما ضعف قدرة الدولة على استيعاب عائداتها وتوجيهها إلى الاقتصاد الحقيقي.
ثانياً: الاستيراد مسكن للألم وليس علاجاً
فتح استيراد القمح والذرة للقطاعين العام والخاص ضرورة في المدى القصير. فهو يزيد المعروض، ويعالج اختناقات الإمداد، ويساعد على الحد من ارتفاع الأسعار.
لكن للاستيراد حدوداً واضحة:
1. نقص النقد الأجنبي
يعاني السودان شحاً شديداً في العملات الأجنبية، وقد تجاوز الدولار مستويات 10 آلاف جنيه في بعض التعاملات. وقنوات حصول المستوردين على النقد الأجنبي محدودة.
والتوسع الحكومي في الاستيراد دون موارد حقيقية من النقد الأجنبي سيزيد الضغط على العملة والاحتياطيات، ويغذي السوق الموازي.
وهنا تنشأ حلقة مفرغة: زيادة الاستيراد دون زيادة موارد النقد الأجنبي تؤدي إلى تراجع قيمة العملة، وارتفاع تكلفة الواردات مجدداً.
2. الاستيراد لا يعوض الإنتاج المحلي
يعتمد غذاء معظم السودانيين على الذرة الرفيعة والدخن والثروة الحيوانية المنتجة محلياً، وليس على القمح المستورد وحده.
لذلك، فإن الأمن الغذائي لا يتحقق بمجرد وصول شحنات القمح إلى الموانئ، بل بقدرة البلاد على إنتاج غذائها الأساسي، خصوصاً الذرة والحبوب المحلية.
3. الاستيراد لا يحل مشكلة الوقود والنقل
قد يؤدي استيراد القمح إلى خفض تكلفة الدقيق، لكنه لا يعالج ارتفاع تكلفة الديزل ونقل الدقيق من الميناء إلى المخابز، أو نقل المحاصيل من المزارع إلى الأسواق.
وهذه تكاليف أساسية تظل مؤثرة في السعر النهائي للغذاء.
ثالثاً: الإنتاج المحلي ممكن نظرياً، لكنه مشلول عملياً
جوهر نموذج الدولة التنموية هو استعادة الإنتاج المحلي. لكن هذا الهدف يصطدم بعقبتين أساسيتين:
1. نقص الوقود
تعتمد الزراعة على الديزل في تشغيل مضخات الري والحصاد والنقل. وقد أشارت الفاو إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والمدخلات الزراعية من الأسباب الرئيسية لارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
وفي مشروع الجزيرة، أدى تضرر قنوات الري وصعوبة ضخ المياه إلى تراجع المساحات المزروعة.
ببساطة: لا وقود، لا ري؛ ولا ري، لا إنتاج.
2. انهيار العملة
يؤدي التراجع المستمر في القوة الشرائية للجنيه إلى تدمير الجدوى الاقتصادية للإنتاج الزراعي.
فالمنتج الذي يبيع محصوله بالعملة المحلية ويواجه ارتفاعاً متواصلاً في تكاليف الوقود والمدخلات يجد نفسه أمام خسائر متزايدة، بينما تتسع مساحة المضاربة والاحتكار والتلاعب بالأسعار.
وفي الولاية الشمالية، انخفضت القيمة التبادلية لجوال البلح من ما يعادل جوالين من القمح إلى ما يعادل كيلوغرام ونصف من لحم البقر.
وهذا وحده يكشف حجم الاختلال الذي أصاب الاقتصاد ومعاش الناس.
لذلك، فإن نموذج الدولة التنموية الذي دعوت إليه مراراً هو الخيار القادر على التدخل بالقانون والمؤسسات لاستعادة الإنتاج.
والأولوية هي استقرار إمدادات الوقود، واستقرار العملة وتوقعات سعر الصرف، ودعم الزراعة والنقل، حتى يجد المنتجون حافزاً حقيقياً لزراعة الموسم القادم على الأقل.
رابعاً: من أين نمول الدعم؟
لا يمكن الاعتماد على الضرائب والجمارك أو زيادة سعر الدولار الجمركي لتمويل الدعم؛ لأن هذه الإجراءات ستنتقل مباشرة إلى تكاليف الإنتاج والاستهلاك، وتفاقم ارتفاع الأسعار.
تتركز الموارد الممكنة في ثلاثة مجالات:
أ. إعادة استيعاب عائدات الذهب
الذهب هو المورد التصديري الأهم والأسرع قدرة على توفير النقد الأجنبي.
وعائدات الصادرات البالغة 2.292 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 تمثل نقطة بداية، لكنها لا تعكس كامل الإمكانات المتاحة، في ظل تقديرات الإنتاج التي تتجاوز 70 طناً سنوياً، بقيمة تزيد على 8 مليارات دولار.
المطلوب هو معالجة تسرب هذه العائدات إلى القنوات غير الرسمية، وإدخالها في الدورة المالية للدولة.
المقترح:
استناداً إلى آلية التسعير اليومية القائمة، التي تعتمد السعر العالمي مع خصم 10 دولارات للأونصة، يمكن إنشاء رسم تصدير إضافي يتراوح بين 5% و10% من حصيلة صادرات الذهب، يخصص مباشرة لصندوق دعم الغذاء والطاقة.
وتوجه حصيلة الصندوق حصرياً إلى:
- توفير الديزل المدعوم لمضخات الري الزراعي.
- دعم بذور القمح والذرة والمحاصيل الأساسية.
- المساهمة في خفض تكاليف النقل المرتبطة بالإنتاج الغذائي.
ويجب أن يخضع الصندوق لإدارة مشتركة من وزارات المالية والزراعة والجهات الرقابية المختصة، مع نشر تقارير تدقيق مستقلة كل ثلاثة أشهر.
فالشفافية والرقابة المركزية ليستا تفصيلاً إدارياً، بل شرطاً لنجاح المشروع. وإلا تحول الدعم إلى قناة جديدة لتوزيع الريع في اقتصاد الحرب.
ب. المساحة المالية التي يتيحها إعفاء الديون
بلغ السودان نقطة القرار في مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC) عام 2021، ويعمل حالياً على استكمال خارطة الطريق للوصول إلى نقطة الإنجاز والحصول على الإعفاء النهائي للديون المؤهلة.
ومن شأن استكمال العملية تخفيف أعباء خدمة الدين وإتاحة موارد مالية يمكن توجيهها إلى الخدمات الأساسية والإنتاج.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب الالتزام بإصلاحات مالية ومؤسسية، تشمل الشفافية والرقابة على الموازنة، كما أن الإعفاء لا يعني تلقائياً توافر أموال نقدية جديدة في الخزانة.
وهنا يمكن اعتماد حل وسط:
توجيه الموارد المالية التي تتحرر من أعباء الديون إلى دعم منتجي الزراعة بصورة مباشرة، من خلال كوبونات البذور وحصص الوقود، بدلاً من الدعم الشامل لأسعار الوقود.
وهذا أكثر كفاءة في توجيه الموارد إلى المنتجين، كما أنه أقرب إلى متطلبات المؤسسات المالية الدولية التي تفضل الدعم الموجه على الدعم الشامل.
ج. موارد مساعدة: الصمغ العربي والثروة الحيوانية
يمتلك السودان ميزة تصديرية مهمة في الصمغ العربي، إذ يستحوذ على نحو 80% من الإنتاج العالمي وفق التقديرات المتداولة.
لكن الحرب خفضت الصادرات من نحو 120 ألف طن سابقاً إلى النصف، فضلاً عن تصدير معظم الإنتاج مادة خاماً بقيمة مضافة منخفضة.
كذلك تمثل صادرات الثروة الحيوانية، ومنها تجارة المواشي الحية مع السعودية، مصدراً مهماً للنقد الأجنبي، رغم تأثرها بالحرب.
ويمكن فرض رسوم تصدير محدودة على هذين القطاعين لتوفير موارد إضافية للصندوق، لكنها تظل موارد تكميلية لا تكفي وحدها لتمويل دعم شامل للوقود.
خامساً: إعفاء الديون استحقاق للدولة وليس مكافأة لحكومة
ارتبط وصول السودان إلى نقطة القرار في مبادرة إعفاء الديون (HIPC) عام 2021 بالتغيير السياسي الذي أعقب ثورة ديسمبر 2018، وبعودة السودان إلى التعاون مع المؤسسات المالية الدولية.
وقد ساعدت الثورة والحكومة الانتقالية على فتح الباب أمام هذه الفرصة، لكن المبادرة في جوهرها ليست مكافأة سياسية لحكومة حمدوك، ولا استحقاقاً شخصياً مرتبطاً به أو بمرحلة الانتقال.
فالمبادرة موجهة إلى الدول المؤهلة، ويخضع استكمالها لمعايير اقتصادية ومؤسسية، وليس لاستمرار حكومة بعينها.
ولا تتضمن شروط نقطة الإنجاز اشتراط بقاء حمدوك أو عودة حكومته. ومن حيث المبدأ، تستطيع أي حكومة سودانية استكمال المسار متى استوفت الشروط المطلوبة واستعادت التعاون المؤسسي مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والدائنين.
لقد تعطل المسار بعد انقلاب أكتوبر 2021، ثم ازدادت صعوبته مع اندلاع الحرب في أبريل 2023. وكان ذلك نتيجة تطورات سياسية ومؤسسية أثرت في علاقة السودان بالمؤسسات الدولية، وليس لأن استحقاق إعفاء الديون مرتبط بشخص أو حكومة.
ولا يجوز أن يتحول الخلاف السياسي حول شرعية الحكومات إلى حرمان الشعب السوداني من فرصة تخفيف أحد أثقل أعباء اقتصاده.
إن إعفاء الديون فرصة لإعادة توجيه الموارد التي كانت تخصص لخدمة الدين نحو الإنتاج والتنمية والخدمات الأساسية. ولذلك ينبغي التعامل معه باعتباره مصلحة وطنية مستمرة، لا ملفاً مرتبطاً بحكومة أو مرحلة سياسية بعينها.
ومع ذلك، يجب ألا نبني تمويل صندوق دعم الغذاء والطاقة على افتراض أن إعفاء الديون سيوفر أموالاً نقدية فورية؛ فالإعفاء يخفف الالتزامات المستقبلية ويحرر موارد كانت ستذهب لخدمة الدين، لكنه لا يخلق بالضرورة إيرادات جديدة في الخزانة.
سادساً: ما المطلوب لبناء دولة تنموية تحمينا من افتراس النيوليبرالية؟
هناك أربعة متطلبات أساسية:
أولاً: فتح الاستيراد دون تحويله إلى بديل للإنتاج.
في الموسم 2026-2027، لا يستطيع السودان توفير احتياجات المدن من الغذاء بالاعتماد على الإنتاج المحلي وحده. لذلك يجب استمرار الاستيراد، لكن باعتباره وسيلة لكسب الوقت واستقرار الأسواق، لا بديلاً عن الإنتاج الزراعي
ثانياً: دور الدولة هو تهيئة ظروف الإنتاج، لا تولي كل شيء.
جوهر الدولة التنموية ليس احتكار الدولة للنشاط الاقتصادي، وإنما تدخلها لتوفير الشروط التي تسمح للإنتاج بالنمو.
والحلقة المطلوبة واضحة:
عائدات الذهب توفر النقد الأجنبي، والنقد الأجنبي يوفر الوقود، والوقود يشغل مضخات الري، والري يعيد الإنتاج الزراعي، والإنتاج يزيد المعروض ويخفض الأسعار.
الحلقة الأولى في هذه السلسلة هي الوقود، وليس الشعارات.
ثالثاً: استيعاب الإيرادات شرط لنجاح الدعم.
السودان لا يفتقر إلى الموارد، وإنما يفتقر إلى القدرة المؤسسية والإرادة السياسية لاستيعاب عائداتها وإدارتها لمصلحة الاقتصاد العام.
إذا لم تتم معالجة تسرب عائدات الذهب، فإن أي صندوق للدعم سيظل مجرد إعلان بلا موارد حقيقية.
رابعاً: خفض أسعار الغذاء يبدأ من خفض تكاليف إنتاجه ونقله.
إن انخفاض أسعار الخبز والدواجن يرتبط مباشرة بتكلفة الوقود والأعلاف والنقل.
فاستيراد القمح قد يخفض سعر الدقيق، لكنه لن يخفض تكلفة الخبز بصورة جوهرية إذا ظل الديزل مرتفع السعر وتتحكم السوق الموازية في إمداداته.
والأمر نفسه ينطبق على الدواجن؛ فسعرها يتأثر بتكلفة الأعلاف، التي تعتمد أساساً على الذرة والحبوب المحلية، إضافة إلى تكاليف الوقود والنقل.
لذلك، لا ينبغي وضع الاستيراد والإنتاج المحلي في مواجهة بعضهما؛ فكلاهما ضروري، لكن المطلوب هو معالجة عنق الزجاجة الذي يعطلهما معاً: الوقود.
---
المصادر والمراجع
1. منظمة الأغذية والزراعة (الفاو): السودان، رصد أسعار الأغذية وتحليلها، 13 أكتوبر 2026.
2. وكالة الأنباء السعودية: صادرات الذهب في السودان تتجاوز ملياري دولار، 7 أكتوبر 2026.
3. سودان تربيون: صادرات الذهب السوداني تتجاوز ملياري دولار، 6 أكتوبر 2026.
4. الترا سودان: قفزة كبيرة في أسعار المحاصيل.. ماذا يحدث في أسواق النيل الأبيض؟، 18 أكتوبر 2026.
5. راديو دبنقا: شعبة مصدري الذهب تتهم جهات نافذة بتصدير الذهب خارج المؤسسات القانونية، 23 سبتمبر 2026.
6. راديو دبنقا: المعيشية نار في الشمالية وجوال البلح يتراجع، 19 سبتمبر 2026.
7. راديو دبنقا: ارتفاع أسعار المحاصيل بسبب تراجع المساحات المزروعة في الجزيرة، 29 مارس 2026.
8. Business Insider Africa: War-hit Sudan reports $2.3 billion in gold exports، 6 أكتوبر 2026.
9. المندرة نيوز: السودان يحرك عجلات صادرات الصمغ العربي، 10 مارس 2025.
10. صندوق النقد الدولي والبنك الدولي: وثائق السودان المتعلقة بمبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، ونقطة القرار وخارطة الطريق نحو نقطة الإنجاز.
x

No comments:

Post a Comment