Sunday, January 15, 2017

الحق الدستوري في المحاكمة العادلة 1


الحق في الاستعانة بالمحامي وفقا للقانون السوداني
مقال للاستاذ نبيل أديب عبد الله المحامي


"المحاكمة العادلة هي المحاكمة التي يتم فيها التقيد بقواعد الإثبات، والتي يتوفر فيها للمتهم محام كفء، ويقوم القاضي فيها بالتقيد بإجراءات المحاكمة. إنها المحاكمة التي يمكن فيها دحض كافة الإدعاءاتـ 
هاري براون

_________

بتاريخ 28/12/2016م أصدرت المحكمة الدستورية حكمها في الدعوى التي أقامها الأستاذان فاروق أبوعيسي وامين مكي مدني ضد جهاز الأمن، وهو حكم بالغ الأهمية من حيث تصديه لعدد من الحقوق الأساسية، 
كالحق في الحرية والأمان،
 وما يتبعه من منع للإعتقال التعسفي،
 والحق في المحاكمة العادلة،
 والحق في الخصوصية، 
وبشكل عام إستقبال حقوق الإنسان الواردة في العهود الدولية في الدستور السوداني وتطبيقها على القوانين السودانية المتصلة. 
وهو الأمر الذي يلزم الدارسين وعلماء القانون بدراسة الحكم بدقة وتقييمه لمعرفة أثره على كل ذلك، وما مدى فعالية الحقوق الأساسية على ضوء ماتوصل إليه الحكم
.
سيقتصر تناولنا في هذا المقال على أثر الحكم على مبدأ واحد من المبادي التي تعرض
 لها الحكم من ضمن المبادئ الدستورية الأساسية المتعلقة بحقوق الإنسان التي تعرض لها الحكم وهو الحق في المحاكمة العادلة، و نأمل أن نتعرض لبقية جزئيات الحكم في مقالات لاحقة. 
من حيث الوقائع
تقدم الطاعنان بطعن دستوري أسساه على أن المطعون ضده قام في ليلة السابع من ديسمبر عام 2014م بإعتقالهما وإقتيادهما إلى جهة غير معلومة، وهي ليست من السجون المؤهلة للإحتفاظ بالمحتجزين قيد المحاكمة، وأنه لم يقدمهما حتى لحظة تقديم الدعوى للمحكمة لجهة قضائية لتفصل في قانونية الإعتقال، وأنه لم يسمح لهما بمفابلة المحامين الذين كلفهم ذويهما بالدفاع عنهما .
وقد تقدم الطاعنان وفقاً لإدعاءاتهما المتعلقة بالوقائع المتصلة بالقبض والإعتقال بعيداً عن السلطات القضائية، بالطعن في دستورية عدد من الفقرات التي تضمنتها مادتين من مواد قانون الامن الوطني لعام 2010م. ويهمنا هنا الطعن في دستورية الفقرة (2) من المادة 51 من قانون الأمن الوطني ونصها (( يكون للشخص الموقوف أو المقبوض أو المعتقل الحق في أبلاغ أسرته أو الجهة التي يتبع لها إذا كان ذلك لا يضر بسير الستجواب والتحري والتحقيق في القضية))
من حيث القانون
وقد أسس الطاعنان طعنهما في دستورية هذه المادة على مخالفتها لحق المحتجز في الإستعانة بمحام وهو حق أساسي تنص عليه المادة 34 فقرة 6 من الدستور التي تنص على أنه "يكون للمتهم الحق في الدفاع عن نفسه شخصياً أو بوساطة محامٍ يختاره، وله الحق في أن توفر له الدولة المساعدة القانونية عندما يكون غير قادرٍ على الدفاع عن نفسه في الجرائم بالغة الخطورة" وللمادة 14 فقرة 3 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والتي تنص على أنه "لكل متهم بجريمة أن يتمتع أثناء النظر في قضيته، وعلى قدم المساواة التامة، بالضمانات الدنيا التالية:
(أ) أن يتم إعلامه سريعا وبالتفصيل، وفى لغة يفهمها، بطبيعة التهمة الموجهة إليه وأسبابها،
(ب) أن يعطى من الوقت ومن التسهيلات ما يكفيه لإعداد دفاعه وللاتصال بمحام يختاره بنفسه" والمادة 7 (1) ج من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والتي تقرر لكل متقاضي حق الدفاع بما فى ذلك الحق فى اختيار مدافع عنه. والعهدان السابق الإشارة لهما قد أصبحا جزءً لا يتجزء من الدستور بموجب أحكام المادة 27 (3) من الدستور.
الحاجة لإخفاء واقعة الإعتقال
قرر أغلبية قضاة المحكمة الدستورية شطب الطعن المتعلق بعدم دستورية الفقرة ا(2) من المادة 51 من قانون الأمن الوطني وكتب قرارهم فيما يتعلق بهذه الجزئية القاضي العالم عبد الرحمن يعقوب، وقد أيده في هذا الرأي أربعة من أعضاء الدائرة ولم يزيدوا في مذكراتهم عن مايفيد التأييد وأشاد بعضهم بكاتب الرأي الأول ، وخالفه في الرأي مولانا العالم الدكتور محمد احمد طاهر والذي إنتهى إلى عدم دستورية الفقرة وأسس قراره في عدم الدستورية على أسس سترد في ثنايا هذا المقال.
إستند حكم الأغلبية على ثلاث حجج، وسنعرضها فيما يلي. 
الحجة الأولى كما أوردها مولانا العالم كاتب رأي الأغلبية هي "لا أتفق مع محامي المطعون ضدهما فيما ذهب إليه لأن طبيعة بعض الجرائم تتطلب ألا يعلم أحد بأعتقال الشخص المعنى تتبعاً لمعالم الجريمة، وهذا عادة يكون في اللحظات الأولى للاعتقال، لأن تسرب واقعة اعتقال شخص ما في بعض الحالات قد يؤدى الى اخفاء معالم الجريمة من قبل أعوان ذلك الشخص."
وهذه حجة مردودة لأن الجرائم البالغة الخطورة، والتي يكون فيها للمتهم أعوان، يستحيل إخفاء إعتقاله عنهم. لماذا ؟ لأنه بمجرد إختفاء المشتبه فيه من رادار أعوانه – ونحن نستخدم رادار هنا بالمعنى المجازي – يسارع الأعوان بأتخاذ إحتياطهم اللازم . فجرائم التجسس والإرهاب، وهي الجرائم الاكثر خطورة بالنسبة لتفويض الجهاز، يكون المشتبه فيه على إتصال دائم بأعوانه، وهم يعلمون بتحركاته، ومع ذلك فإنه حتى لوصح ماذهب إليه مولانا العالم من أن طبيعة بعض الجرائم تتطلب ألا يعلم أحد بأعتقال الشخص المعني، فهذا لا ينفي عدم دستورية المادة، لأن المادة لم تتحفظ على سلطة منع إتاحة الإتصال بالمحامي فتقصرها على نوع معين من الجرائم، بل أطلقت السلطة على جميع الجرائم. وقد نبه إلى ذلك مولانا د. محمد أحمد طاهر في رأيه المخالف فذكر
"وقد سبق لي أن أبديت هذا الرأي في هذه المادة في الدعوى الدستورية (م د / ق د / 166/ 2014 م فيما بين المدعى / محمد صلاح حمد عبد الرحمن ضد جهاز الأمن ، وملخص ذلك هو أن تقييد حق المتهم في الاتصال بأهله ومحاميه على هذا النحو يتعارض مع طلاقة النص الدستوري للمادة 30/6 التي توفر للمتهمين ( وبدون قيود) الحق في الدفاع عن أنفسهم شخصياً أو بمحامٍ يختارونه. ولم يقتصر الأمر على ذلك وإنما ألزمت المادة الدولة بتوفير المساعدة القانونية لمن يطلبها إذا لم يكن قادراً على الدفاع عن نفسه.
هذه الأريحية الدستورية لا يفترض أن يصادرها أو ينقص منها ذلك القيد الذي تضمنته المادة 51/2 من قانون الأمن الوطني.
ونحن إذ نقرر لصالح الطاعن في هذه الجزئية، لا ننفى أهمية تمكُن جهاز الأمن الوطني من أداء مهامه بكفاءة قد تستلزم في بعض الأحيان التشدد لمنع تسرب المعلومات المتحصل عليها من المتهم لجهات معادية للدولة، أو مما يؤثر في السلام الاجتماعي .غير أن منهج التشدد لا ينبغي أن يكون هو الأصل السائد في ممارسة الجهاز لسلطاته بحيث يهزم نصوص الدستور ومقاصده ، كما في حالتنا الماثلة المتعلقة بطالب جامعي مدني أعزل لا يعجبه النظام السياسي في البلاد ، وليس محارباً يحمل الراجمات في معارضته"
ونحن نتفق مع ما ذكره مولانا العالم محمد أحمد طاهر في رأيه السديد، فنحن هنا بصدد معارضين سياسيين يتم إحتجازهم بواسطة جهاز الأمن بشكل علني، وهو لايخفي إعتقالهم عن أحد، وقد تناولت حادثة الإعتقال الصحافة الاسفيرية والورقية، وإنهمرت الإحتجاجات من مناصريهم، ومن المدافعين عن الحريات العامة، فما بالنا نتحدث عن ضرورة إخفاء واقعة يعلم بها الكافة؟ إذا كانت لهذه الحجة ما يدعهما في بعض الجرائم، فإنه يجب على القانون أن يحدد تلك الجرائم بوضوح، ويضعها كإستثناء من الأصل، ويشترط لإعمال الإستثناء توفر ضرورة وإمكانية إخفاء الإعتقال عن إعوان المعتقل. ويجب أن يخضع القانون ذلك الإستثناء لرقابة قضائية حتى يضمن أن يظل الإستثناء في أضيق الحدود، كما يجب أن يكون الإستثناء على الحقوق والحريات العامة، حتى يتوافق مع الأصل الوارد في الدستور. أما أن تقبل المحكمة الدستورية تقييد هذا الحق، على هذا النحو، دون أي قيد أو شرط ولإفتراض لم يتوفر في كافة الدعاوي التي قُدمت لها بشأن الإعتقال المنصوص عليه في المادة 50، فهذا ما نراه مخالفاً لكافة ماهو مستقر في الفقه العالمي لحقوق الإنسان.
ما تقوم به أجهزة الضبط خاضع للنفي أمام القضاء
أما الحجة الثانية التي يستند عليها رأي الأغلبية في قراره بدستورية المادة فهي كما جاءت على لسان كاتبه كالتالي "من ناحية أخرى فإن هذا الاجراء لايهدر حق الشخص في الاستعانة بمحامي مطلقاً، أنما مقيد بسير التحري. هذا فضلاَ عن أن ما تقوم به الشرطة أو جهاز الأمن من جمع المعلومات أو الاستجواب كله خاضع للنفي أمام القضاء، ومثال ذلك ( أقوال المتهم التي يدلي بها أثناء التحري لا تقبل كبينة ضده إلا إذا سجلت كإقرار قضائي أمام قاضي أو محكمة أو أيدها أمام المحكمة أثناء المحكمة ) "
مرحلة قبل المحاكمة هي مرحلة يواحه فيها المتهم إجراءات تنتهك خصوصيته، وتحد من حريته رغم أنه ما زال بريئاُ في عين القانون. لذلك فهو في حاجة للإستعانة بمحام يضمن له سلامة ما يتخذ ضده من إجراءات، والقانون والدستور يضعان قيوداً على تلك الإجراءات لاتسمح بالسماح لسلطات الإتهام بأن تفعل ما تريد، ثم يقوم الدفاع بعد ذلك بنفي الإتهام أمام المحكمة. الحق في الدفاع يبدأ بمجرد إخضاع المشتبه فيه لأي قيود بسبب وجود شبهة في إرتكابه جريمة، وفي هذه اللحظة يبدأ حق الإستعانة بمحام. لأن كافة إجراءات التحري والتحقيق تشمل قيوداً على حرية المشتبه فيه، وعلى حقه في الخصوصية، مما يمنحه الحق في التيقن من ضرورتها ومناهضتها إذا لم تكن كذلك. والإستعانة بمحام هو الذي يمنحه الدراية القانونية اللازمة لذلك. ليس هنالك ما يلزم المشتبه فيه بأن يخضع دون مناهضة قانونية لإعتقال تعسفي، ولا لأي إجراء آخر ذي طبيعة تعسفية، ولإستخلاص بينة ضده بشكل غير مشروع، لمجرد أنه سيكون بإمكانه أن يوضح ذلك للمحكمة. اي قدر من الإستهانة بحقوق الناس وحرياتهم وخصوصياتهم، يكمن في هذا البدأ؟ وهذه الإجراءات التعسفية قد تصل لمرحلة إرتكاب جرائم في حقه، عندما يقود الحماس الزائد لإثبات جرم المشتبه فيه، أعضاء أجهزة الضبط إلى تعذيبه وإكراهه على تقديم بينة ضد نفسه. هل هنالك ما يمنع أن يتم إنتزاع الإعنراف القضائي من المتهم بشكل غيرمشروع؟ كم عدد الدعاوي التي نفى فيها المتهم صحة الإعتراف القضائي بدعوى التعذيب؟ ألا يشكل الحق في الإستعانة بالمحامي ضمانة ضد سوء معاملة المتهم؟ لماذا يتوجب على المتهم أن ينتظر لحين يتم تحويله للمحكمة، ليبدأ بعد ذلك في محاولة نفي التهمة التي يكون هو بنفسه قد ساعد، بعدم درايته بالقانون، بتثبيتها على نفسه. إن مجرد بقاء المشتبه فيه في الحبس لمدة 105 يوماً دون أن يستطيع تقديم مظلمه لجهة ذات صفة قضائية، هو في حد ذاته قيد على حريته وقد يشكل عقوبة بدون حكم قضائي، مما يلزم منح من يتعرض له الحق في الإستعانة بمحام لمناهضته. ولعل ما توصل إليه مولانا العالم كاتب رأي الأغلبية نفسه حول عدم دستورية المادة 51(10) يدحض رأية بدستورية السماح بمنع إتاحة الإستعانة بمحام، فهو يقول في عدم دستورية الفقرة 10 "ليس من المعقول أن يأتي نص في القانون يمنع الشخص من اللجوء الى القضاء في أي وقت مع ملاحظة أن هذا النص (( نص المادة 50/10 أعلاه من قانون الأمن الوطني يتعارض مع المادة 16/ج من قانون المحكمة الدستورية لإحضار الشخص المعتقل أو المحبوس أمام المحكمة بغرض النظر في دستورية الحبس أو الاعتقال" ألا يدحض هذا النظرقراره في دستورية المادة 51(2)؟ فما هي قيمة الحق في اللجوء إلى القضاء إذا لم يتوفر للمتهم محام يمثله أمام المحكمة الدستورية؟ أو حتى أمام القضاء العادي؟ وإذا كان هناك ضرورة للإستعانة بمحام لتقديم ذلك الطلب، ولا أحسب أن هنالك من يقول بغير ذلك، فكيف يمكن للمحامي أن يقوم بذلك بدون أن تتاح له مقابلة موكله، ومعرفة دقائق الأمر منه؟ وإذا كانت هنالك ضرورة لمقابلة المحامي لموكله تمكيناً له من أداء واجبه على النحو الأكمل، فكيف تكون السلطة التقديريه لقبول المقابلة من عدمها في يد الخصم في ذلك الطلب؟!!
وهذا يقودنا للحجة الثالثة في رأي الأغلبية.
" بشرط عدم الإضرار بسير التحري "
الحجة الثالثة التي يستند عليها مولانا العالم في قراره بدستورية المادة، هي كما جاءت على لسانه "لابد من أن تكون للسلطة التي تقوم بالتحري في الجرائم أياً كان نوعها سلطة تقديرية في السماح للمعتقل بمقابلة الآخرين أو منعه من ذلك. ولا يفهم من ذلك أن تكون تلك السلطة التقديرية مطلقة، بل مقيدة بشرط عدم الإضرار بسير التحري، علماً بأن كل ماتقوم به السلطة المختصة بالاعتقال خاضع في نهاية الأمر للمراجعة القضائية"
نترك الرد على هذه الحجة لمولانا جلال على لطفي رحمه الله، ولنصغي إلي رأيه فى دعوى
حكومة السودان ضد ديكران هايفونى
كان المتهم فى تلك الدعوى مقبوض عليه بإتهام يتعلق بجريمة ضد الدولة، ولم يكن مسموحاً لأحد بمقابلته. تقدم الأستاذ بدر الدين سليمان المحامى بطلب لمقابلة المتهم، فرُفِض الطلب بدعوى أن لوائح الشرطة لا تلزم بالسماح بمقابلة المتهم لمحاميه، وأن المتهم يواجه إتهاما خطيراً يسمح للشرطة بابقائه رهن الإحتجاز لمدة أسبوعين، وأن التحرى لم يكتمل بعد. كان ذلك قرار القاضى المشرف على التحري، وقد تأيد هذا الرفض بواسطة قاضى المديرية الذى إقتصر تسبيبه للرفض بقوله لا أرى سببا للتدخل. ولم تكن تلك الأحكام المبتسرة ذائعة آنذاك، مما جعل ذلك الأمر مصدر دهشة لدى محكمة الإستئناف .
ذكر القاضى جلال على لطفى على لسان محكمة الإستئناف، أن المادة 46 (4) من لوائح الشرطة تنص على ما يلى ( سيسمح فى العادة للمقبوض عليهم بأن يتصلوا بذويهم أو بمستشاريهم القانونيين ولكن فقط تحت إشراف الشرطة المباشر. سيتم نقل الرسائل عبر الشرطة وستتم المقابلة فى حضور الشرطة " وكلمة فى العادة والمستخدمة هنا مع كلمة Shall فى النص، تعنى أنه فى كل الأحوال، وليس فى بعضها، لأن كلمة shall تعنى الوجوب.أي أن النص يقضي بوجوب السماح بالمقابلة في كل الأحوال مستدلاً بقول ماكسويل أنه" فى حالة إستخدام القانون لتعبير غامض فى مجال الحريات العامة، بحيث لم يتمكن القاضي من تفسيره بإستخدام قواعد التفسير العادية، فإنه يجب تفسير النص لصالح المواطن، وضد المشرع الذى فشل فى توضيح مراميه ".
أما القول بأن التحريات لم تكتمل بعد، فهذا لا يعد سببا لمنع المقابلة، فما فائدة المقابلة بعد أن يدلى المتهم بإعترافه ؟ وقد أورد القاضى جلال على لطفى عدد من السوابق فى إنجلترا والهند تؤيد ما ذهب إليه. 
ثم إستطرد قائلاً أنه بمراجعته لكل السوابق فى هذا المجال فى الهند وفى إنجلتراـ وكان القضاة يرجعون للقانون الهندى بإعتباره كان، ولحد كبير ما زال، مصدر قانوننا الجنائي – لم يجد مرجعاً واحداً يجيز منع مقابلة المتهم لمحاميه. ووفقاً لذلك فقد فسر القاضى جلال على لطفى إشتراط أن تكون المقابلة تحت إشراف الشرطة بأنها تعنى أن تكون على مرأى وليس على مسمع من المتحرى أو شرطى آخر يعينه هو
 should take place within the sight of the investigating officer or a policeman appointed by him and not within his hearing. 
وهى الجملة التى ذاع إستخدامها بعد ذلك وأصبحت أحد القواعد الذهبية للقانون.
هل يعقل بعد كل هذه التطورات في فقه حقوق الإنسان والتزايد العالمي في الإهتمام بها نرتد إلى ما قبل عام 1968؟!!!
الإستعانة بمحام ضرورية في كل مراحل التحري 
الإستعانة بالمحامي تبدأ بالمقابلة ولكنها لا تنتهي بها. ومنع مقابلة المحامي لموكله يمنعه من أداء مهامه أو يحد من قدراته على أدائها بشكل خطير. فالمحامي يجب أن يُسمح له بحضور التحقيق مع موكله، ومعرفة كافة ما يتخذ من إجراءات في مواجهته، وتقديم النصح لموكله ومساعدته على مناهضتها، إذا كانت مخالفة للقانون أو الدستور. قصر دور المحامى على إجراءات المحاكمة يجرد حق الإستعانة بمحام من محتواه، لأن الإجراءات التي تسبق المحاكمة والتي تتصل بجمع البينات، وهي مرحلة التحري والتحقيق وتوجيه التهمة، هي التي تحدد سير المحاكمة. وكثيراً ما يجد المحامي أنه فقد القضية قبل أن تبدأ المحاكمة نتيجة لما تم أثناء التحري من إجراءات لم يحضرها، ولم يعرف بها. وقد قيل في دعوى Murray v. UK في انجلترا "أن الحق في الحصول على النصح القانوني أكثر أهمية فى مرحلة التحري حيث يتحدد موقف المتهم في أي محاكمة لاحقة". 
مجمل القول هنا أن حق الإستعانة بمحامي يشمل كل الإجراءات الجنائية، بدءاً من لحظة إتصال قوات الضبط بالمشتبه فيه بغرض التحري معه عن ظروف وملابسات الجريمة، أو بغرض إتخاذ أي إجراء من إجراءات الضبط ضده كالقبض أو الأستدعاء أو التفتيش. ولكى تكون الإستعانة بمحام فعالة، يجب أن تكون سابقة للإدلاء بأي أقوال. كما ويجب أن تكون سرية لايجوز التنصت عليها، و لا يجوز للمحامي نفسه كشفها. حق الإستعانة بالمحامي يبدأ قبل التحقيق مع المتهم حين ينبه المحامي موكله إلى حقوقه بالنسبة لما يوجه له من أسئلة، وبالتحديد حقه في الإمتناع عن تقديم بينة تجرمه، وهوالحق المعروف بحق الصمت. ويضع له خط الدفاع الذي يرغب فى إبرازه في التحقيق. كما ويتمثل بشكل أساسي في حضور المحامى للتحقيق، بحيث يتاح له أن يطلب توضيح السؤال الموجه لموكله، أو أن يعترض عليه، أو على الطريقة التي تم بها. كما ويجوز له أن ينصح موكله بعدم الرد على السؤال. وجود المحامي في هذه المرحلة المبكرة فيه ضمان لعدم إساءة معاملة المتهم، أو الحصول منه على بينة بطريق غير مشروع، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للحق في المحاكمة العادلة. وهو حق لا يقف موقف سلطات الإتهام منه عند حد الإستجابة له بل يمتد إلى ضرورة تنبيه المتهم له قبل بدء إجراءات التحري معه.
على ضوء كل ذلك وغيره مما ضاق المجال عن إيراده، لابد من القول بأن المحكمة الدستورية قد جانبها التوفيق فيما توصلت له حتى عادت بنا القهقري قي مجال حق المحاكمة العادلة إلى ما يقارب نصف قرن من الزمان.
لابد لي في خاتمة مقالي هذا ورغم أنني أعتقد أن الحكم الصادر في الدعوى هو حكم في جوهره قد سمح للقانون بأن يتجاوز القيود الدستورية كما فسرتها المحاكم الإقليمية لحقوق الإنسان، والمحاكم الوطنية التي تتبنى دساتيراً مشابهة لدستورنا، والذي يدعونا دستورنا بصراحة لتبنى أحكامها، إلا أنني لا أعتقد أنني أمتلك الحقيقة في هذا الصدد، وإنما أقول مع الإمام الشافعي هذا رأيي والذي أراه صوابا يحتمل الخطأ، وأرى رأي القضاة الأجلاء في المحكمة الدستورية خطأ يحتمل الصواب.
من جهة ثانية فإنني أرى أن المحكمة الدستوريبة مكونة من قضاه أجلاء احترمهم، وأقر بأن معرفتهم القانونية تفوق معرفتي، ولكن ذلك لا يمنعني من إنتقاد أحكامهم إذا رأيت فيها خطأ، ولا من اللجوء إليهم كل مادعت الحاجة لذلك، وذلك لأنهم هم، وهم وحدهم، الذين أناط بهم الدستور أن يفسروا أحكامه. وبالتالي فسأظل أقرع بابهم كلما رأيت هنالك ما يستوجب تدخلهم، وسيظل السبيل الوحيد لتغيير ما أرى عدم توافقه مع الدستور هو اللجوء إليهم مرة تلو الأخرى. من الجهة الثالثة فإن حكم المحكة الدستورية بدستورية قانون ما لا يعني صحة المبادئ التي قررها ذلك القانون، فقد يكون هنالك قصور في الدستور، من حيث الأحكام أو الصياغة، أدى لذلك التفسير، فينبه ذلك الحكم السلطة التأسيسية لضرورة تعديل الدستور، إذا رأت في نصوصه عدم كفاية بالنسبة لحماية حقوق الإنسان. وهذا ما تسبب فيه حكم المحكمة العليا الأمريكية في دعوى دريد سكوت، حين قررت أن الزنوج الذين دخلوا أمريكا كرقيق لا يتمتعون بالحقوق الدستورية وفقاً للدستور الأمريكي. وهو الحكم الذي دفع بالكونجرس لأن يصدر التعديل الرابع عشر للدستور، والذي أرسى مبدأ المساواة أمام القانون، والحماية المتكافئة. كذلك فقد يجوز للسلطة التشريعية أن تعدل القانون متى رأت أنه غير منصف حتى ولو كان لا يخالف الدستور.
لكل ذلك فسأظل من جانبي أتقدم للمحكمة الدستورية كلما رأيت أن هنالك ما يستدعى ذلك، وسـأظل في نفس الوقت أنتقد أحكامها كلما إستقر الرأي عندي على عدم صحتها.
ولقضاة المحكمة الدستورية الأجلاء التحية والإحترام.
________________________
نقلا عن صحيفة الراكوبة الالكترونية