Tuesday, January 23, 2018

ملاحظات حول مظاهرات 16يناير في السودان





مسيرة وليست ثورة
الملاحظة الأولى ان   اغلب المراقبين تعامل مع ماحدث باعتباره ثورة شعبية ضد النظام بينما ماحدث في الواقع لم  يتجاوز كونه دعوة لموكب او مسيرةشعبية  لتقديم مذكرة  لوالي الخرطوم احتجاجا على ميزانية الولاية لسنة 2018 التي اشتهرت  باسم ميزانية الموت
ميزانية ولاية الخرطوم  لهذا العام تبلغ 12,4 مليار جنيه سوداني فقط في ولايةتضم  قرابة العشرة ملايين سوداني اغلبهم نازحين بسبب الخروب وانعدام الخدمات في الأطراف
الخرطوم انتفضت بفضل دعوة الحزب الشيوعي  لهذه المسيرة  بسبب ميزانية الولاية التي  تنفق علي الصحة 653,9 م جنيه، بينما الإيرادات المفترضة 654 م جنيه، (يعنى ولامليم،)والتعليم 27 م جنيه بنسبة0.2%  زيادة الدقيق بنسبة 329 %،الكهرباء بنسبة 320%
رغم أهمية هذا الحدث ،والذى يكشفا ن ارواح السودانيين قد بلغت الحلقوم ، الا ان الشيوعيين السودانيون كانوا حريصون جدا على التأكيد   علي قانونية  الموكب، وانه يأتي  باعتباره ممارسة طبيعية لحزب معارض حائز على شرعية التسجيل في مؤسسات الدولة  ، وان الموكب نفسه تمت الموافقةعليه  والتصريح به من قبل الدولة  .
وهذا يعنى ببساطة ان الحزب الشيوعي وكل أحزاب المعارضة  هي أحزاب تعمل تحت مظلة الدولة  ، وبالتالي هي جزء من النظام كونها تبادله الاعتراف  ،ومعلوم ان أحزاب المعارضة خصوصا أحزاب التجمع الوطنى الديمقراطي المعارض عادت الى الخرطوم في اطار استحقاقات  اتفاقية القاهرة لسنة2005 ، وشاركت بنسب متفق عليها في مؤسسات الإنقاذ جنبا الى جنب مع الحركة الشعبية .
اذن والامر كذلك فان الحديث عن ثورة 19 يناير هو حديث لامحل له من الاعراب ، صحيح ان ولايات أخرى خرجت  ضد الغلاء مستغلة هذا الخروج الكبير في الخرطوم بمبادرة الحزب الشيوعي ، وصحيح  ان شروط الثورة متحققة فعلا  ضد الإنقاذ ، لكن ما حدث في 16 يناير لايمكن تفسيره في غير السياق الذى يقول ان الحزب الشيوعي في 19 يناير لم يدع  لثورة تقتلع  النظام ، وهذا لا ينفي أيضا ان الدعوة للانتفاضة ضد النظام  هي واحدة من مرتكزات العمل السياسي المعلنة لهذا الحزب مثل غيره من القوى الحزبية  في الخرطوم .
دروشة سياسية
الملاحظة الثانية اقرأها أيضا في العودة الى شعار الدروشة السياسية  المعروف اثناء الاحتجاجات  في  كل الولايات بلا استثناء وهوشعار ( سلمية سلمية ) ، هذا الشعار كان دائما مشهرا في  وجه القوى الأمنية التي تتصدى للمتظاهرين وكانه دعوة مفتوحة للبطش! ومشكلة هذا الشعار انه سهل وبالتالي قادر على التغطية على الشعارات الأساسية والمهمة التى يجب ان ترفع ، ان مجرد الخروج في احتجاج سلمى على الانقاذ هو حالة من حالات الانتحار، حيث قتل هذا النظام في انتفاضة  سبتمبر2013 وبدم بارد  مايزيد على مئتي   شهيد ، واعد مع القتل الخطة( ب)الشهيرة والتي لايعرف عنها احد شيئا ، وهذا مايجعل شعار سلمية سلمية  المنطلق من الحناجر بينما الرصاص ينهمر نوعا من أنواع الدروشة السياسية .
المطلوب اذن هو تأكيد مطالب الشعب في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والإصلاح الاقتصادي ، ومخاطبة قضايا الهامش  وإيقاف الحروب وفتح مسارات الغوث للنارحين واللاجئين وعودتهم وغيرها من قضايا الوطن الكبرى مثل قضايا الحدود وقومية أجهزة الدولة ،ذلك افضل جدا  لقضية الثورة والوطن من ترديد( سلمية سلمية)
اعتقالات بدون اغتيالات
الملاحظة الثالثة متعلقة بميل الإنقاذ الي الظهور بمظهر الحكم الذى يتيح  قدرا من الحريات ، فالانقاذ سمحت ابتداء بمسيرة الحزب  الشيوعي التي ايدتها قوى حزبية معتبرة وشاركت بها أيضا ، ويحسب لها أيضا انها رغم الإجراءات القمعية التي اتخذتها للسيطرة على الوضع ، من قطع الطريق ، واستخدام للغاز المسيل للدموع، الا انها لم تلجأ هذه المرة لقتل المتظاهرين كما حدث في 2013، في المقابل اعتقل الامن عددا كبيرا من الناشطين والسياسيين والمواطنين المحتجين، وبلغ عدد معتقلى الحزب الشيوعي وحده قرابة الاربعمئة شخص
أسباب ذلك قد تكون مرتبطة بضغوط أمريكا على  النظام فيما يتعلق بملف حقوق الانسان ، وهذا الملف يبدو ظاهرا للعيان كلما قلت أهمية السودان في نظر المراقب الغربي فيما يتعلق بملف الإرهاب ، فالانقاذ لعبت مع الغرب دائما بهذا الملف لتحقيق مكاسب خاصة متعلقة ببقاء النظام ، ما جعله اهم الشركاء للولايات المتحدة، وجعل التعاون بين المؤسسات الأمنية قائما في كل الأوقات .
 اقرا ايضا   كلام جواسيس .. السودان و منطقة الجزاء
السبب الثاني قد يكون مرتبطا باقتراب موعد الانتخابات السودانية والجدل الذي يدور حول ترشيح الرئيس البشير لدورة رئاسية ثالثة ان اضفتها الى فترة الشرعية الثورية (الانقلابية ان شئت) لأصبح بموجبها  عميدا لحكام العالم بخمسة وثلاثون عاما حسوما (ان اكملها)
بؤس المعارضة وعودة الروح
الملاحظة الرابعة  هي عودة الروح للمعارضة السودانية ، فالأحزاب  بعد اتفاقية القاهرة بدت وكأنها جنحت للحل التصالحي ، واستغل الصادق المهدي حضوره  (الكثيف  )ومراوغاته في المشهد السياسي لينفر من اى مبادرة للعنف ضد النظام وبإعلان باريس جعل الحركات المسلحة هي الداعم الأكبر لخيار الانتفاضة الشعبية ( سلمية سلمية ) وذلك  دون ان تقدم  هذه الأحزاب اى مبادرة لإخراج كوادرها في هذه الانتفاضة ،ما جعل كثير من المراقبين يفسر ذلك بان هذه الأحزاب  انما  تنتظر خروج حزب الكنبة لتسليمها الحكم غنيمة باردة
بؤس المعارضة وضعفها أوصل بعض قادتها الي دعوة الشباب للخروج ليموتوا برصاص الإنقاذ لان ذلك افضل قليلا من الانتحار !  شهادة  يعني من اجل الديمقراطية وكدا !
الان تثبت المعارضة أن ثمة جذوة مازالت كامنة بها ، ليس فقط  في أحزاب اليسار ، أحزاب اليمين التي شاركت وجماهير الأحزاب التقليدية القديمة ، وصوت نقابات عمال المؤاني الذي يقاوم الخصخصة الآن ، وكثير من  تجمعات المجتمع المدني وقوي الاجماع الوطني ومناهضة السدود والتجمع العالمي لنشطاء السودان بمواقع التواصل و تحالف مزارعي الجزيرة و المناقل ولجنة المعلمين المركزية ومنبر منظمات المجتمع المدني الدار فوري و غيرهم وغيرهم وغيرهم   ،  كلهم   يمكن ان يكونوا خصما  قويا للإنقاذ  ما لم   تتصالح مع الشعب     وتتراجع عن سياستها الاقتصادية ولاجتماعية   الحالية.