Monday, February 25, 2013

اللصوص

لا اعرف لماذا  ذكرنى هذا الابداع  الساخر من الاوضاع السودانية بنص جميل  ل  إيتالو كالفينو هنا

فى زمان ما كانت هناك بلدة كل سكانها من اللصوص فى الليل كان كل واحد من سكان تلك البلدة يترك منزله حاملا سلسلة مفاتيح مصطنعة و مصباح ضوئى صغير و يذهب للسطو على احد منازل الجيران و عندما يعود كل منهم الى منزله عند الفجر كان يجد ان منزله قد تم السطو عليه ايضا و هكذا عاش سكان تلك البلدة سعداء مع بعضهم . لا احد يخسر شيئا حيث كان الجميع يسرق من الجميع ، فكان احدهم يسرق من الاخر ، و يسرق هذا الاخر من آخر و هكذا حتى نصل الى اخرهم و الذى يسرق من اولهم . و كان حال التجارة فى البلدة يتمتاز بانتشار الغش من البائع و المشترى على السواء .

كانت حكومة البلدة كمنظمة اجرامية تسرق من سكان البلدة و على الجانب الاخر كان سكان البلدة ينهبون الحكومة و يختلسون اموالها . و هكذا سارت الحياة فى تلك البلدة بهدوء ، لم يكن احد غنيا ، و لم يكن احد فقيرا أيضا . و فى احد الايام – لا احد يعرف كيف – جاء الى البلدة ليقيم بها رجل أمين . فى الليل و بدلا من ان يخرج للسطو حاملا مصباحا و سلسلة مفاتيح كان يجلس بمنزله يدخن و يقرأ القصص . و جاء اللصوص الى منزله ، و عندما شاهدوا النور مضاءا لم يدخلوا المنزل . و ظل الحال على هذا فترة من الزمن . و كان عليهم وقتها ان يوضحوا له انه حتى لو كان لا يرغب فى فعل شئ فى الليل ، فليس معنى هذا ان يبقى فى المنزل و يعطل الاخرين عن اعمالهم . فكل ليلة يبقى فيها فى المنزل كان معناها ان عائلة بكاملها لن تجد ما تأكله فى الصباح التالى .

و امام هذا المنطق لم يستطيع الرجل الأمين الاعتراض ، فكان يخرج من منزله كل ليلة و لا يعود الا مع الفجر مثلما يفعل الجميع . و لكنه لم يكن يسرق فقد كان لا يملك ان يغير طبييعته كرجل أمين . فكان يذهب الى احد الجسور البعيدة و يرقب المياه المتدفقة اسفل الجسر و عندما يعود الى كان يجد منزله قد تم السطو عليه و فى اقل من اسبوع وجد الرجل الأمين نفسه مفلسا تماما لم يكن عنده حتى شئ يمكن ان يؤكل و كان منزله فارغ تماما و لم تكن هذه هى المشكلة فقد كان هذا خطأه هو .

و لكن المشكلة الحقيقية كانت ان سلوك هذا الرجل الأمين قد اخل بنظام كل شئ حوله . فقد سمح للاخرين ان يسرقوه بدون ان يقوم هو بسرقة اى احد . و هكذا كل صباح كان احدهم يعود الى بيته ليجده كما هو لم يتم السطو عليه كالعادة ، المنزل الذى كان على الرجل الامين ان يقوم بسرقته . و بمرور الوقت ، وجد الافراد الذين لم يتعرضوا للسرقة انفسهم اكثر ثراء من الاخرين ، و لم يعودوا راغبين فى السرقة مرة اخرى . وما زاد المشكلة عمقا انه عندما يذهب احدهم لسرقة منزل الرجل الامين كان دائما يجده فارغا ً و هكذا اصبح هؤلاء اكثر فقرا . و فى تلك الاثناء اكتسب الافراد الذين اصبحوا اكثر ثراءا عادة الرجل الامين و اعتادوا الذهاب الى الجسر ليلا لمراقبة تدفق المياه من تحته .

و زاد هذا من تفاقم المشكلة فتزايدت اعداد الاثرياء كما تزايدت اعداد الفقراء ، وقتها فكر الاغنياء اذا هم استمروا فى الذهاب للجسر كل ليلة فسيصبحون سريعا من الفقراء و استقروا على ان يستأجروا مجموعة من الفقراء ليسرقوا بدلا منهم و وقعوا عقود عمل مع هؤلاء الفقراء بها مرتبات محددة و نسب من المسروقات و كانوا بالطبع مازالوا كلهم لصوص يحاولون خداع بعضهم البعض و لكن ما حدث ان الاثرياء ازدادوا ثراءا و الفقراء ازدادوا فقرا و ازداد ثراء بعض الافراد الى الحد الذى لم يصبحوا عنده راغبين فى السرقة او حتى فى استئجار من يسرق نيابة عنهم .

و لكن اذا توقفوا عن السرقة فسرعان ما يصبحوا فقراء هم ايضا لأن الفقراء يسرقون منهم و هكدا استأجروا افقر الفقراء ليدافعوا عن ممتلكاتهم ضد الفقراء الاخرين وكان معنى هذا إنشاء قوة شرطة و بوليس و بناء عدة سجون و هكذا بعد مرور سنوات معدودة من ظهور الرجل الأمين كان الناس لا يتحدثون عن السرقة و السطو من بعضهم ، و لكن كان الحديث يدور حول الاغنياء و الفقراء ، و لكنهم بالطبع كانوا ما زالوا جميعا لصوص. و كان الرجل الوحيد الأمين بينهم هو هذا الرجل الذى ظهر فى البداية و مات بعد وقت قصير من الجوع

No comments:

Post a Comment